اسماعيل بن محمد القونوي
81
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الأموات على النطف وغيرها من العناصر والأغذية يكون حقيقة وقد سبق الكلام فيه وقال تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ الحديد : 17 ] مثال للمجاز في القوة النامية وما بعده مثال للمجاز في انتفاء الكمال كما أن الحياة مجاز في الكمال لكن المراد بالقوة النامية التي يطلق عليها تهييجها وإحداث نضارتها بأنواع النباتات لا إعطاؤها أو لما انقطعت عن العمل كانت في حكم العدم فكأنها أحدثت بالنبات قوله على الاستعارة متعلق بأريد في كلا المعنيين وأما إذا أريد بها صحة اتصافه بالعلم كما هو التحقيق عند الجمهور من المتكلمين والمعتزلة لكن الأوضح التعبير بأنها صفة توجب صحة والقدرة كما في العلم المواقف وأما كون الحياة يصح أن يعلم ويقدر فمذهب الحكماء وأبي الحسين البصري من المعتزلة اللازمة لهذه القوة وهي القوة الحساسة يتبادر منه أن إطلاق الحياة على حياته تعالى مجاز مرسل حيث أطلق « 1 » اسم الملزوم على اللازم فحينئذ يكون المراد بالاستعارة المعنى اللغوي وبعضهم قال يعني أن صحة اتصافه تعالى بهما شبهت في استلزام العلم والقدرة فاستعير لفظ الحياة لها وكذا شبه معنى قائم بذاته « 2 » بها في ذلك الاستلزام فجعل الاستعارة اصطلاحية ولا بأس فيه إذ الاحتمالان جائزان بالاعتبارين قوله فينا زاده لأنها لا تلزم في غير الإنسان وهو حي واللزوم في البعض كاف في صحة المجاز المراد باللزوم العربي قوله بفتح التاء من رجع لازما ومصدره الرجوع وقراءة تُرْجَعُونَ [ البقرة : 28 ] بضم التاء متعد من الرجع المصدر المتعدي . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) قوله : ( بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتم به معاشهم ) وترك العطف لأنه كالنتيجة للنعمة السابقة مترتبة على الأولى أي في الوجود بالنظر إلى الإحياء الأول لا بالنظر إلى مجموع الإحياءين ولظهوره تسامح في البيان لعل وجهه أن الأول نعمة مترتبة عليه نعمة الإماتة والإحياء الثاني كما أن هذه النعمة مترتبة عليه أيضا فكان أصلا موقوفا عليه لجميع النعم قوله : فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى أي فإن النعمة الأولى هو خلقهم أحياء مرتين المدلول عليه بقوله : فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] وقوله : ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ البقرة : 28 ] وهذه النعمة وهي خلقه لهم ما يتوقف عليه أمر معاشهم ومعرفة خالقهم فإن هذه نعم في أنفسها وطرق معرفة يستدل بها على الصانع القادر الحي العليم .
--> ( 1 ) ويلزم منه أن لا يوضع لحياة الباري لفظ ولا يخفى بعده لا سيما إذا كان الواضع هو اللّه تعالى وعدم كون اللفظ موضوعا لصفة من صفاته تعالى بعيد جدا فالأولى كون الحياة موضوعا لحياته أيضا بالاشتراك اللفظي . ( 2 ) والاستعارة المصطلحة في المعنى الثاني ظاهرة فإنه شبه ذلك المعنى القائم بذاته تعالى بالقوة الحساسة في اقتضاء صحة العلم والقدرة فاستعمل لفظ المشبه به في المشبه .